ابن عساكر
32
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
سرّه ذلك ، وكتب إليه يأذن له في القدوم عليه ، فخرج جبلة في خمسين ومائة « 1 » رجل من أهل بيته حتى إذا كانوا من المدينة على ميلين عمد إلى أصحابه فحملهم على الخيل وقلّدها قلائد الفضة وألبسهم الديباج وسرق الحرير « 2 » ، ولبس تاجه فيه قرطا مارية وهي جدته . قال : وبلغ عمر بن الخطاب ، فبعث إليه بالنزل هناك ، ثم دخل المدينة في هيئته . قال : فلم تبق بكر ولا عانس إلّا خرجت تنظر إلى جبلة وموكبه ، فأقبل حتى دخل على عمر بن الخطاب ، فسلّم عليه ورحّب به عمر ، وسرّ بإسلامه وبقدومه ، ثم أقام أياما ، وأراد عمر الحج من عامه ذلك ، فخرج جبلة معه مشهورا بالموسم ينظر إليه الناس ويتعجّبون من هيئته وكماله . قال : فبينا جبلة يطوف بالبيت إذ وطئ رجل من بني فزارة إزاره من خلقه فانحلّ ، فما ورع جبلة أن رفع يده فهشم أنف الفزاري « 3 » ، فولّى الفزاريّ والدماء تشخب من أنفه حتى استعدى عليه عمر بن الخطاب ، فبعث إلى جبلة فأتاه ، فقال له : يا جبلة هشمت أنف الرجل ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، اعتمد حلّ إزاري ، ولولا حرمة الكعبة لضربت بالسيف بين عينيه ، فقال له عمر : أما أنت فقد أقررت ، فإمّا أن ترضي الرجل ، وإلا أقدته منك ، قال : تصنع ما ذا ؟ قال عمر : إمّا أن يهشم أنفك كما هشمت أنفه ، وإمّا أن ترضيه . قال جبلة : أو خطير هو لي « 4 » ؟ قال : نعم . قال : وكيف وأنا ملك وهو سوقة ؟ قال عمر : الإسلام قد جمعك وإياه ، فلست تفضله إلا بالعافية « 5 » . قال جبلة : واللّه لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن سأكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية . قال عمر : هو ما ترى إما أن تقيده أو ترضيه . قال جبلة : إذا أتنصّر . قال عمر : إن فعلت قتلتك . قال : لم ؟ قال : لأنك قد دخلت في الإسلام فإن ارتددت قتلتك . قال : فلما رأى جبلة أن عمر لا تأخذه في اللّه لومة لائم وليست له حيلة ، واجتمع من حيّ الفزاري وحيّ جبلة على باب عمر جمع كثير حتى كادت تكون فتنة عظيمة ، فقال : أنا انظر في هذا الأمر ليلتي هذه ، وانصرف إلى منزله ، وتفرّق الناس ، فلما ادلهمّ الليل عليهم تحمّل جبلة في أصحابه من ليلته إلى الشام ، وأصبحت المدينة منه ومن قومه بلاقع ، ثم أتى الشام فتحمّل في
--> ( 1 ) في البداية والنهاية : فركب في خلق كثير من قومه ، قيل مائة وخمسين راكبا ، وقيل : خمسمائة . ( 2 ) سرق الحرير : جمع سرقة ، وهي القطعة من جيد الحرير الأبيض . ( 3 ) زيد في البداية والنهاية : ومن الناس من يقول : إنه قلع عينه . ( 4 ) يقال : هذا خطير لهذا وخطر له ، أي مثل له في القدر . ( 5 ) في البداية والنهاية : بالتقوى .